محمد هادي معرفة
10
التمهيد في علوم القرآن
عدا أولئك الراسخين في العلم ، الذين استسهلوا الصعاب بفضل جهودهم في سبيل اكتساب المعالي . ومن هذا القبيل - أيضا - قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » ، فقد وقع فيها تشبيه ذاته المقدسة بالنور . وهو أدقّ تعبير في تقريب ذاته المقدّسة إلى أفهام العامّة ، إذ لو قيل للجمهور : أن لا ماهيّة له تعالى ، ولا هو جسم ، ولا فيه خواصّ الجسم ، لم يقتنعوا في الجواب عن موجود وقع الاعتراف به ، كيف لا ماهية له ولا هو جسم ؟ فإذا قيل لهم : إنّه نور ، اقتنعوا ، في حين أنّ نفس الإجابة صحيحة يعرفها الراسخون في العلم ، إذ كما أنّ النور - في المجسوس - غير قابل للإدراك ذاتا ، وإنّما يحس به من قبل إنارته للأشياء ، كذلك وجوده تعالى - في غير المحسوس - لا يدرك هو ، وإنّما يدرك بإفاضته الوجود على الموجودات ، فاللّه تبارك وتعالى يتجلى من خلال كلّ موجود ، وليس يدرك ذاتا ، كالنور سبب لإدراك الأشياء وتعجز الأبصار عن إدراكه بالذات « 2 » . وأمّا عوامل الإبهام المحوجة إلى التفسير ، فتعود إلى جهات أخر ، منها : غرابة الكلمة عن المألوف العام ، نظرا لاختصاص استعمالها ببعض القبائل دون بعض ، فجاء القرآن ليوحد اللغة باستعمال جميع لغات العرب ، من ذلك « صلدا » بمعنى « نقيا » في لغة هذيل . و « الإملاق » بمعنى « الجوع » في لغة لخم . و « المنسأة » بمعنى « العصا » في لغة حضر موت . و « الودق » بمعنى « المطر » في لغة جرهم . و « بسّت » بمعنى « تفتّتت » في لغة كندة . وهلمّ جرّا ، الأمر الذي دوّنت لأجله كتب غريب القرآن ، وهي كثيرة « 3 » . ومنها : إشارات عابرة جاءت في عرض الكلام ، بحيث يحتاج فهمها إلى
--> ( 1 ) النور : 35 . ( 2 ) راجع : الكشف عن مناهج الأدلّة لابن رشد : ص 92 - 93 . ( 3 ) منها رسالة تتضمن ما ورد في القرآن من لغات القبائل ، مطبوعة في هامش تفسير الجلالين ، نسبها جلال الدين إلى أبي القاسم محمد بن عبد اللّه . ( الاتقان ج 1 ص 7 ط 1 ) .